مقالات

"مفارقات حزيرانية"

التاج الإخباري - بقلم مهند أبو فلاح 

ثلاثة و ثلاثون عاما انقضت على رحيل احد اهم اعمدة الفكر القومي العربي الاصيل في القرن العشرين الاستاذ احمد ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي الذي وافته المنية في العاصمة الفرنسية باريس في الثالث و العشرين من شهر حزيران / يونيو من العام ١٩٨٩ في نفس المستشفى العسكري الفرنسي الذي توفي فيه السيد ياسر عرفات زعيم منظمة التحرير الفلسطينية .

المكان و الزمان لهما دلالات بالغة فيما يخص هذا الحدث التاريخي الجلل فموت الاستاذ عفلق رحمه الله تعالى جاء بعد عشرين يوما فقط من وفاة عراب نظرية ولاية الفقيه و عدو البعث اللدود آية الله الخميني الذي عاد الى طهران بعد انتصار الثورة الايرانية على نظام الشاه مكللا بالغار قبل ذلك التاريخ بعقد من الزمان و تحديدا في العام ١٩٧٩ قادما من باريس مدينة النور التي ستشهد بعد ذلك بعام واحد اي في سنة ١٩٨٠ اغتيال الاستاذ صلاح الدين البيطار شريك عفلق في تأسيس حزب البعث و رفيق درب كفاحه و نضاله على يد عناصر تابعة للنظام السوري .

المفارقة ايضا ان من اهم اعلام الفكر القومي العربي المعاصر الذين تأثر بهم الاستاذ عفلق و قضوا نحبهم في ظروف غامضة في باريس و في شهر حزيران / يونيو الاستاذ نجيب عازوري اول من دق ناقوس الخطر محذرا من خطر الصهيونية في كتابه الشهير " يقظة الامة العربية في آسيا التركية " حيث يقول الكاتب الصهيوني شبتاي تيبت مؤلف كتاب " بن جوريون و العرب " ان عازوري الذي كان عربيا كاثوليكيا و نائب متصرف القدس اسس في العام ١٩٠٤ ( اتحاد الوطن العربي ) الذي رفع شعار ارض العرب للعرب و قال في مقدمة كتابه : - ( ان قدر الحركتين العربية و الصهيونية ان تقاتل احداهما الاخرى حتى تتغلب احداهما ) و قد اعرب عازوري عن معارضة حركته الشديدة لمطامع اليهود في ارض فلسطين .

  لقد وصف بن جوريون آنذاك كتاب عازوري بأنه عمل فردي ، و لكن بعد العام ١٩٠٨ قال انه لم تعد الدعاية المضادة لليهود في فلسطين عملا فرديا ، و يضيف بن جوريون اول رئيس وزراء للكيان الصهيوني قائلا بحسب تيبت  : - ( نحن نشاهد اليوم مجموعة من الصحف التي تصدر في البلاد اي فلسطين و سورية و مصر كلها تحاربنا ، و ان تلاميذ نجيب عازوري يوجهون الان دعايتهم مخاطبين الشعوب العربية و الحكومة التركية ) .

عازوري لم يكن الشخصية العربية الوحيدة التي تأثر بها الاستاذ عفلق و قضت نحبها في شهر حزيران بل ان هنالك شخصية اخرى تأثر بها الاستاذ عفلق تأثرا بالغا جدا الا وهو العلامة العربي السوري ابن حلب الشهباء  الشيخ عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب طبائع الاستبداد ، حيث يقول الدكتور محمد جابر الانصاري في كتابه ( الفكر العربي و صراع الاضداد ) في فصل حمل عنوان المركب التوفيقي لفكرة البعث العربي الاشتراكي لصاحبها ميشيل عفلق تحت عنوان فرعي هو " الوحدة و الحرية و الاشتراكية ؛ جذورها في فكر الكواكبي " : - { ان الاتجاه القومي المعاصر وجد في فكر عبد الرحمن الكواكبي ( ١٨٤٩ - ١٩٠٢ ) التطوير السياسي و الاجتماعي لذلك المفهوم و همزة الوصل الجامعة بين المدرستين القومية و الاسلامية } .
 
المؤلم حقا هو ان الكواكبي قد قضى نحبه غيلة و غدرا مسموما كما يؤكد ذلك حفيده سعد زغلول الكواكبي في ندوة اقامها المعهد العالمي للفكر الاسلامي في عمان خلال الفترة من ١٥ - ١٧  / ١٠ / ٢٠٠٢ بمناسبة الذكرى المئوية لوفاة الكواكبي نقلا عن المؤرخة الحلبية المرموقة عائشة الدباغ حيث اوردت هذه الاخيرة استنادا الى ابيها عبد القادر الدباغ  انه قد تم تسميم الاستاذ الكواكبي في ليلة السادس من ربيع الاول لعام ١٣٢٠ للهجرة الموافق ١٣ حزيران / يونيو من العام ١٩٠٢ للميلاد في القاهرة .

العجيب الغريب ان التاريخين  الهجري و الميلادي الذين قضا فيهما العلامة الكواكبي اي شهر ربيع الاول و شهر حزيران مطابقين للشهرين الذين قضا فيهما الرسول العربي الكريم سيد الانبياء و المرسلين محمد بن عبد الله عليه افضل الصلاة و اتم التسليم حيث يصادف التاريخ الهجري لوفاته ١٢ ربيع الاول من عام ١١ هجري الموافق للثامن من حزيران من عام ٦٣٢ ميلادي . 
 
و من المفيد هنا ان ننوه الى ان كثيرا من محققي السيرة النبوية الثقات يرون ان سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم الذي دعا الاستاذ عفلق الامة العربية الى الاقتداء و التأسي به قائلا في كلمة ألقاها في محاضرة له في جامعة دمشق عام ١٩٤٣ حملت عنوان في ذكرى الرسول العربي " كان محمد كل العرب فليكن كل العرب محمدا " انه قد توفي متأثرا بآثار السم الذي دسته له امراة يهودية قتل زوجها في غزوة خيبر .

زر الذهاب إلى الأعلى