أخبار الأردن

الرواشدة يوضح عبر "التاج" دور القضاء في حماية حرية الصحافة المكتوبة

التاج الإخباري - عدي صافي 

ان التطور السريع في الأحداث ما بعد الربيع العربي، دعت العدالة معه الى ضرورة تدخل القضاء في بيان سقف الحماية وادواتها، لأن القضاء هو الأداة الكفيلة لضمان تطبيق مبدأ الشرعية والمشروعية في الدولة، وهو الذي يأخذ على عاتقه تكريس مبدأ سيادة القانون أيضا.

وبالتالي فإن القضاء هو السلطة الكفيلة بضمان العقاب على كل من يتجاوز على هذا الحق بإعتباره حق مقرر في الدستور والقانون والمعاهدات الدولية الشارعة التي كان الأردن طرفاً في أغلبها، وفق حديث محامي الجنايات الكبرى الدكتور مصطفى الرواشدة. 

وبين الرواشدة في حديث له مع التاج الإخباري انه وانطلاقا من نص الدستور الذي يقول أن الأردنيون امام القانون سواء، وان كل اعتداء على الحقوق والحريات العامة او حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون، فلا  يجوز منع اي صحفي او حتى مواطن من ممارسة هذه الحرية بإعتبارها حق له بصفته مهني وايضا حق للمواطن الصحفي او صحافة المواطن. 

واشار الى أن القضاء الأردني يحاول قدر الإمكان التأكيد هذه الحرية، الا ان الصراع الدائم بين السلطة والصحافة جعل القضاء ملتزماً بالقانون الى حد اوسع بإعتباره سلطة تطبيق القانون، لكن القضاء وبموجب الدستور مستقل، وله حق عدم تطبيق اي قانون يجد انه مخالفاً للدستور قامت السلطة التشريعية بوضعه.

وفي دراسة أعدها مختصون حول محور رقابة القضاء على دستورية قانون المطبوعات والنشر وغيره من القوانين التي تحد من حرية الصحافة المكتوبة،  بين أنّ القوانين ونصوصها يجب أن تتفق مع الدستور وأحكامه، وعلى هذا الأساس تدخل القضاء الأردني وأعطى لنفسه الحق في ممارسة دور الرقابة على دستورية القوانين، وهذا الحق هو من صميم عمل القضاء، لأنّ من مهامه بمقتضى الدستور الفصل في المنازعات وتطبيق حكم القانون عليها، فإن وجد تعارضاً بين قانونين وجب عليه تغليب حكم القانون الذي يحتل المرتبة الأعلى في سلم التدرج الهرمي للقواعد القانونية.

وذكر ان القضاء الأردني له دور كبير في العديد من القضايا التي اعتبر فيها المشرع خارج عن حقه التشريعي، وبالتالي يجب اقرار عدم دستورية القانون لكون ان المشرع قد خرج عن المألوف او ما هو محدداً له او تغول في حقه في تشريع القوانين مما اعتبر معه هذا التشريع  مخالفا للدستور او القوانين الأخرى كقانون العقوبات وغيره من القوانين. 

وفي هذا الشأن جاءت العديد من قرارات القضاء الأردني التي سعت قدر الإمكان في الحد من فضفضة بعض نصوص القوانين ومنها مثلا قانون المطبوعات والنشر، وهنا سنتناول موقف المحاكم الأردنية حول هذا الشأن من محكمة إدارية عليا واستئناف ودرجة أولى التي تثمن دور القضاء الأردني حول هذا الشان كما يلي:-

أ‌) موقف المحكمة الإدارية العليا من دستورية قانون المطبوعات والنشر.

  في حكم شهير أوقف القضاء الأردني العمل بقانون المطبوعات والنشر المؤقت رقم 27 لسنة 1997 لمخالفته أحكام الدستور، وذلك على أثر الطعن به من خلال دعوى موضوعها الطعن بعدم دستورية القانون. وجاء في حكم محكمة العدل العليا ما يلي:
" يستفاد من المادة 94 من الدستور الأردني أنّه منح السلطة التنفيذية صلاحية إصدار القوانين المؤقتة في حال توافر الشروط التالية : 
1. أن يكون مجلس الأمة غير منعقد أو منحل .
2. وجود حالة ضرورية أي وجود أمور تستوجب اتخاذ تدابير ضرورية لا تحتمل التأخير. 
 3. أن لا تخالف القوانين المؤقتة الدستور.
  ونظراً لأنّ مجلس الأمة حين إصدار قانون المطبوعات والنشر المؤقت رقم 27 لسنة 1997 لم يكن منعقداً وأن حالة الضرورة المشار إليها في المادة أعلاه لم تكن متوافرة لأنّ معالجة أوضاع الصحافة ووضع شروط لتنظيم أوضاعها لا يعد خطراً جسيماً داهماً ولا وضعاً طارئاً ملحاً، وبما أن الأوضاع التي عالجها القانون المؤقت المذكور قائمة منذ شهور سابقة فيكون عنصر المفاجأة والمداهمة قد انتفى، وبالتالي انتفت حالة الضرورة، فتكون التعديلات التي وردت في القانون المؤقت لا تعني وجود خطر جسيم، والدليل على ذلك أنّ القانون المؤقت المذكور قد طلب من الصحف توفيق أوضاعها لتلائم نصوص القانون المؤقت خلال ثلاثة أشهر، ومن ثم ثلاثة أشهر أخرى أي بعد ستة أشهر، وهذا ينفي وجود حالة الاستعجال، مما يعني أنّ إصدار هذا القانون كان يمكن تأجيله إلى حين انعقاد مجلس الأمة وبذلك يكون مخالفاً للدستور والنتيجة قررت محكمة العدل العليا الحكم وقف العمل في القانون لمخالفته أحكام الدستور " .  

ب) موقف محكمة البداية من دستورية قانون المطبوعات والنشر.


" وفي تطور آخر تدخلت محكمة البداية من تلقاء نفسها وأعطت لنفسها حق الرقابة الدستورية على القانون دون الطعن به من أحد إذ اعتبرت أن الأمر يتعلق بالنظام العام ومن حقها إثارته من تلقاء نفسها ، وبالنتيجة قررت  امتناعها عن تطبيق نص المادة 41 من قانون المطبوعات والنشر رقم 8 لسنة 1998 التي تعتبر رئيس التحرير فاعلاً أصلياً في جرائم المطبوعات، حيث اعتبرت المحكمة أنّ المادة 41 من قانون المطبوعات والنشر تخالف أحكام المواد 74 ، 75 من قانون العقوبات التي عرّفت فاعل الجريمة بأنه من أبرز إلى حيز الوجود جميع العناصر التي تؤلف الجريمة أو ساهم مباشرة في تنفيذها "، وبأن لا يحكم على أحد بعقوبة ما لم يكن قد أقدم على الفعل عن وعي وإرادة ". 

 ونظراً الى انّ قانون العقوبات من القوانين العامة للدولة وأنّ المادة 103 من الدستور الأردني قد أوجبت على المحاكم أن تمارس اختصاصها في القضاء الحقوقي والجزائي وفق أحكام القوانين فتكون المادة 41 من قانون المطبوعات والنشر تخالف الدستور، عدا عن  قرار المحكمة تضمن ايضاً:  " إن الاختصاص المقرر دستورياً للسلطة التشريعية في مجال إنشاء الجرائم وتقرير عقوبتها لا يشمل تحديد الأشخاص فاعلي الجرائم إذ إنّ التحقيق في قيام أركان الجريمة وعناصرها وتحديد فاعل الجريمة هو أمر من اختصاص السلطة القضائية، الأمر الذي يجعل مباشرة أي سلطة أخرى لمهام هي في الأصل من اختصاص سلطة أخرى مخالف للمبدأ الدستوري القائم على الفصل بين السلطات ومخالف للمادة 101 من الدستور التي اعتبرت المحاكم مصونة من التدخل في شؤونها". 

ومما يؤيد ما توصلت إليه محكمة البداية وفق حديث الرواشدة ل" التاج" القرار الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في مصر والذي قضى بعدم دستورية نص مماثل للمادة 41 من قانون المطبوعات الأردني. 

ج) موقف محكمة الاستئناف من دستورية قانون المطبوعات والنشر. 

لم تأخذ محكمة الاستئناف بما توصلت إليه محكمة البداية الذي سبق الإشارة إليه ولم تجز لها فرض رقابتها على دستورية القانون وقد اعتبرت أنّ مجرد مرور القانون بمراحله الدستورية واقترانه بالإرادة السامية يجعله واجب التطبيق دون البحث في دستوريته، حيث جاء في القرار ما يلي: " إن هذا القانون مر بكافة المراحل الدستورية، ومصدق من مجلسي الأعيان والنواب وموشح بالإرادة الملكية السامية، وهو القانون الواجب التطبيق، وكان على محكمة الدرجة الأولى أن تعالج القضية وفق أحكام قانون المطبوعات والنشر " .

الرواشدة اكد ان قرار محكمة الاستئناف المذكور  لا يمثل توجهاً مستقراً للقضاء الأردني لأنّ المحاكم العليا المتمثلة بالتمييز والعدل العليا قد أخذت بمبدأ رقابة القضاء على دستورية القوانين ويحق للمحاكم الامتناع عن تطبيق القانون المخالف للدستور بعكس ما توصلت إليه محكمة الاستئناف، كما هو واضح من الأحكام المشار إليها في هذه الدراسة.


د) موقف محكمتي التمييز والادارية العليا من رقابة المحاكم على دستورية القوانين:

لم يعرض أمر دستورية قانون المطبوعات والنشر على محكمة التمييز وكان ينبغي عرض القرار الصادر عن محكمة الاستئناف رقم 60/2003 على محكمة التمييز لمناقشة موضوع رقابة المحاكم على دستورية القوانين، لكن من استعراض أحكام محاكم الدرجة العليا يتضح أن هناك أحكاما صادرة عن محكمة التمييز والادارية العليا قد أعطت المحاكم الحق في بسط رقابتها على القوانين لتفحص دستوريتها وتشل اثر أي قانون مخالف للدستور. 

وعودةً الى حكم لمحكمة التمييز جاء فيه: " للمحاكم أن تشل أثار قرار لجنة الأمن الاقتصادي ولا تعمل به استناداً لصلاحيتها في مراقبة دستورية القوانين ومن باب أولى مراقبة دستورية الأوامر العرفية ". 
  وفي حكم أخر لمحكمة التمييز الأردنية جاء فيه: " أن  أي نظام يصدر وفقاً لأحكام القوانين تعطى بموجبه أية محكمة اختصاصاً معيناً للفصل بأية قضية لا يجوز العمل بموجبه ذلك لأنّ مثل هذا النظام يعتبر مخالفاً لأحكام الدستور ومن حق المحكمة أن تمتنع عن تنفيذ أحكامه."  

وقال إنه وبناءً على كل هذه القرارات التي تم الاستعان بها، فإن القضاء الأردني مارس الحق الدستوري في حماية حق حرية الصحافة المكتوبة، انطلاقاً من المبدأ الدستوري الذي ينص على انه " لا يجوز أن يقبض على أحد أو يوقف أو يحبس أو تقيد حريته إلا وفق أحكام القانون". 
وايضا استمد القضاء هذه الشرعية من نص المادة 15 التي تنص على انه " يكفل القانون حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام ضمن حدود القانون، كما نص الدستور في الفقرة الرابعة من هذه المادة " لا يجوز تعطيل الصحف ووسائل الإعلام ولا الغاء ترخيصها الا بأمر قضائي وفق أحكام القانون". 

وبين ان ورود عبارة أمر قضائي كافلة بذاتها لفرض الرقابة القضائية على اي اجراء  قد يتخذ في مواجهة الصحافة المكتوبة. 


وفي سياقٍ أخر اشار الرواشدة الى قانون حق الحصول على المعلومة، الذي اعطى الحق للجميع في الحصول على المعلومات والزم محتوي المعلومة او محترزها بالكشف عن هذه المعلومة، موضحاً ان نص المادة 13 من هذا القانون، قد قضى على كل ما سبق ذكره من ذاك القانون، حيث أورد بعض الفقرات الفضفاضة التي لا ترتقي الى انها وجدت لحماية المجتمع اكثر من تقييده.

واكد ان كل ما يعطل عمل الصحافة المكتوبة مخالف للدستور والمبادئ القانونية العليا، ويجب ايقافه باعتباره تغول على هذه الحرية وهذه السلطة من خلال العدالة.

زر الذهاب إلى الأعلى