عربي دولي

سلاح الحروب الحاسم بين إسرائيل وإيران… المفاجأة

التاج الإخباري – ثمة إجماع بين المراقبين أن الهجوم الإيراني على إسرائيل ليل أول من أمس السبت الماضي لا يعدو كونه “إخراجاً محبوكاً وتصعيداً محسوباً وحذراً يحقق أهداف الطرفين”. فالرد كان قد أعلن عنه قبل أيام وحذرت الولايات المتحدة ومعظم الدول الأوروبية رعاياها من التنقل في أماكن معينة وكأنها تعرف توقيت الهجوم والأماكن التي سيصيبها. وذهب فريق من المتخصصين إلى أن البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة أعلنت عن بدء الهجوم قبل ساعات من انطلاق الصواريخ والمسيرات من إيران نحو إسرائيل، ثم بعد ساعات عدة أعلنت هذه الهيئة أن الهجوم انتهى.

المتخصصون العسكريون اعتبروا أن غياب عنصر المفاجأة أدى إلى عدم وقوع أي أضرار في إسرائيل التي تحضرت ومعها الأسطولان الأميركي والبريطاني في البحر الأحمر وفي المتوسط لرد هذا الهجوم، لذا يمكن اعتباره هجوماً رمزياً لم يقع من أجل تحقيق خسائر في الأرواح أو خسائر عسكرية ومادية في إسرائيل، ولا يسعى إلى دفع إسرائيل إلى التصعيد، بل إن رمزيته تتعلق بحفظ ماء وجه النظام الإيراني بعد ضرب القنصلية الإيرانية لدى دمشق وقتل عدد من كبار قادة الحرس الثوري وفيلق القدس، الأمر الذي اعتبرته إيران اعتداءً على أراضيها لا بد من الرد عليه.

يذكر هجوم السبت الماضي بأسلوب رد طهران على قتل الجنرال الإيراني الأكثر شهرة قاسم سليماني في يناير (كانون الثاني) 2020، حين أعطت القنوات الاستخباراتية الإيرانية واشنطن 10 ساعات من التحذير لتمطر الصواريخ الباليستية الضخمة على القواعد العسكرية الأميركية في العراق، وتحديداً قاعدة الأسد الجوية، كما اعترف وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف.

إلا أن هذا الهجوم أدى إلى تحقيق خسائر مالية لجميع الأطراف، فبحسب العميد المستشار المالي السابق لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي ريم أمينوح لصحيفة “واينت” الإسرائيلية فإن صاروخ “أرو” يكلف عادة 2.8 مليون جنيه استرليني (3.5 مليون دولار)، وصواريخ “مقلاع داوود الاعتراضية” 800 ألف جنيه استرليني (مليون دولار). ويقدر أن إضافة كلفة القضاء على 100 صاروخ باليستي، إضافة إلى كلف حملة الدفاع الجوي بأكملها، “تراوح ما بين 4 و5 مليارات شيكل (850 مليون جنيه استرليني إلى 1.1 مليار جنيه استرليني). ومع ذلك، كان الهجوم مكلفاً أيضاً بالنسبة لإيران، إذ بلغت كلفة الصواريخ الباليستية عموماً ما يزيد على 80 ألف جنيه استرليني. وتقدر الولايات المتحدة أن طهران لديها نحو 3 آلاف ترسانة في الشرق الأوسط.

عنصر المفاجأة العسكرية

يعرف المحللون العسكريون والجنرالات والضباط في الجيوش بأن غياب عنصر المفاجأة سيفشل أي عملية عسكرية، وفي هذه الحالة كان وصول مسيرة أو صاروخ من الأراضي الإيرانية إلى إسرائيل يحتاج إلى ساعات عدة سمحت للجيش الإسرائيلي والجيوش الأخرى الداعمة لها من صد الهجوم. فما أهمية عنصر المفاجأة في الحروب؟

هجوم الرد على قصف القنصلية الإيرانية صمم كي لا يحقق أضراراً واضحة مباشرة، ولو فعل لأدى إلى تغييرات جيوساسية في المعركة الدائرة بالشرق الأوسط منذ عقود.

تاريخ الاستراتيجية

هناك تاريخ طويل للعمليات العسكرية المفاجئة التي يلجأ إليها القادة العسكريون لاختراق العدو أو تطويقه آلاف السنين من القرن الـ12 أو الـ13 قبل الميلاد عبر حصان طروادة التي وردت في ملحمة هوميروس، ومعارك كاناي في 206 قبل الميلاد خلال الحرب البونيقية الثانية وحطين عام 1187 وترينتون في 1776، وبيرل هاربور في 1941 الذي قام به الجيش الياباني.

إضافة إلى حرب الأيام الستة عام 1967 التي شنتها إسرائيل على الدول العربية المحيطة بها، وحرب أكتوبر 1973 التي شنها الجيش المصري لاستعادة سيناء من إسرائيل في عهد الرئيس أنور السادات.

هذه الحروب والمعارك توضح أن المفاجأة تكتيك جاد لإلحاق الهزيمة في جيش العدو. ففي المفاجأة يفشل العدو في الاستجابة بسرعة وفاعلية لمواجهة الهجوم، وفي تعريف المفاجأة فإنها عمل في ساحة المعركة لا يتوقعه العدو.

تأثير نفسي

وبحسب الجنرال كلاوزفيتز صاحب النظريات العسكرية المعروفة فإن المفاجأة وسيلة لاكتساب التفوق بسبب تأثيرها النفسي أولاً على العدو، وهذا التأثير النفسي يجعلها عنصراً حربياً مستقلاً. ووفقاً لكلاوزفيتز فإن المفاجأة ضرورية لاكتساب التفوق في النقطة الحاسمة، بالتالي فإن المفاجأة ليست في غاية حد ذاتها، ولكنها وسيلة لكسب الفرص التي يجب استغلالها بسرعة وبصورة مستمرة لتحقيق ميزة على الخصم وتحقيق نتيجة حاسمة تكتيكياً أو عملياتياً أو استراتيجياً.

تعد معركة كامبراي في الحرب العالمية الأولى من الـ20 من نوفمبر (تشرين الثاني) إلى الثالث من ديسمبر (كانون الأول) 1917 مثالاً على احتمالات المفاجأة. إلا أن قوة المشاة البريطانية لم تتمكن من استغلال الفرصة المتاحة قبل أن يتمكن الألمان من التجمع والهجوم المضاد.

خلال الحرب العالمية الثانية طغى الهجوم الألماني في مايو (أيار) ويونيو (حزيران) 1940 على قدرة الجيش الفرنسي على التعامل مع القتال المقبل من خلفهم من جهة الغرب بعدما انتظره من الشرق، مما أدى إلى انهيار فرنسا واستسلامها.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولضمان تحقيق عنصر المفاجأة للنصر لا بد أن يعوق قدرة العدو على اتخاذ القرار والتكيف بسرعة كافية للرد بفاعلية وتجنب الهزيمة. توضح شهادة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر في التحقيقات حول حرب جزر فوكلاند مع الأرجنتين هذه النقطة بقولها “لم أتوقع أبداً أن يغزو الأرجنتينيون جزر فوكلاند وجهاً لوجه. لم أكن لأفكر بإمكانية قيامهم بذلك حتى”.

نجاح الطوربيد اليابانية الأرضية في إغراق البارجة HMS Prince of Wales وطرادHMS Repulse بعد أيام من الهجوم على بيرل هاربور يقدم مثالاً على المفاجأة التي تحققت من خلال الجمع الناجح بين التكتيكات والتكنولوجيا. وفشل كبار ضباط البحرية المتحالفة في توقع التهديد الجوي الياباني المحتمل للسفن الحربية الرئيسة الأميركية.

أكتوبر 1973

اعترف قائد الجيش الإسرائيلي موشيه ديان بأن مواجهة المزايا التكنولوجية التي حصل عليها المصريون والسوريون في هجومهم المفاجئ على إسرائيل في عام 1973 كانت غير ممكنة بسبب استخدام الجيشين لصواريخ أرض – جو التي زودهم بها الاتحاد السوفياتي ومعها الأسلحة المضادة للدبابات من قبل الجيش المصري لإحداث تأثير مدمر خلال الأيام الأولى من الحرب.

يقول موشيه ديان إن غياب الحلول التكنولوجية الفورية بسبب عنصر المفاجأة، يعطي أهمية مركزية للعنصر البشري في التكيف السريع مع تكتيكات ساحة المعركة، واستغلال المزايا واللعب على نقاط القوة في القوات المسلحة من أجل استعادة “مبادرة المعركة”.

ومن النتائج النفسية لعنصر المفاجأة في تلك المعركة أنها أظهرت النجاحات التي حققها المصريون والسوريون إمكانية هزيمة الجيش الإسرائيلي الذي من المفترض أنه لا يقهر، والذي لم يهزم في ساحة المعركة خلال النزاعات العسكرية السابقة.

الفكرة القائلة إن الانتكاسات التكتيكية الفورية يمكن أن يكون لها عواقب استراتيجية، حتى عند التغلب عليها، تتضح بصورة أكبر في العمليات الأميركية مع بعثة الأمم المتحدة الإنسانية في الصومال عام 1993، حين تم التخطيط لغارة تقوم بها فرقة العمليات الخاصة للقبض على كبار أعضاء ميليشيات محمد فرح حسن عايدي، على أن تكون العملية بأكملها سريعة وقصيرة وتقوم على عنصر المفاجأة.

ولكن حين أسقط طائرتي هليكوبتر من طراز بلاك هوك في تتابع سريع أحدث هذا تأثير ليس بسبب فقدان الطائرات فحسب، بل أيضاً بسبب الصدمة لشعور الفرقة الخاصة عدم التحصين، ومع أن القوات الأميركية تغلبت في النهاية على الارتباك والفوضى الأولية، إلا أن العملية أدت إلى خسائر كبيرة في الأرواح والماديات. وأدى عرض لقطات تلفزيونية لجثة جندي أميركي يتم جره في الشوارع إلى صدمة اجتماعية وسياسية في الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية.

في النهاية يمكن إيراد مجموعة كبيرة من الأمثلة حول العمليات العسكرية الناجحة بسبب عنصر المفاجأة، ولكن أهمها هي عملية السابع من أكتوبر التي قامت بها “حماس” من قطاع غزة إلى مستوطنات الغلاف، وأدت إلى العملية الإيرانية الأخيرة على إسرائيل. وقد اعترفت إسرائيل بأن هجوم “حماس” كان مفاجأة أدت إلى زعزعة الثقة داخل المجتمع الإسرائيلي بقدرات الجيش الاستخباراتية والعسكرية، ولو كان ذلك لمدة قصيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى