اهم الاخبارعربي دولي

بعد 30 عاما على رأس مصرف لبنان.. “الساحر” رياض سلامة تلاحقه التحقيقات

التاج الاخباري -نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تحقيقا أعدته راية الجلبي، عن حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، وتحت عنوان “الساحر: رياض سلامة ونهب لبنان” قالت فيه إن صعود وسقوط حاكم مصرف لبنان الذي فقد مصداقيته يعكسان بلدا خربه الفساد والخداع والغطرسة.

وقالت إن سلامة هبط في حزيران/يونيو 2021 في وقت كان فيه لبنان يواجه أزمة مالية منهكة بمطار لو بورجيه بباريس على متن طائرة خاصة. وعثرت مصلحة الجمارك في حقيبته على مبالغ مالية لم يعلن عنها. وأخبر سلامة الذي يحمل الجنسية الفرنسية سلطات الحدود أنه كان يحمل 15.000 يورو، لكن وبعد تفتيش حقيبته عثر فيها على 84.430 يورو و7.710 دولارات أمريكية. وعندما طلب منه شرح الوضع، قال إنه نسي أن المال خاصته في الحقيبة، كما تظهر سجلات الشرطة.

 وفكرة أن يكون وجه لبنان العام نسي مبلغ 100.000 دولار أمريكي، في وقت منع فيه الكثير من اللبنانيين من الوصول إلى مدخراتهم بعد عامين من الانهيار المالي تكشف عن الانفصام بين حياته والآخرين.

وفي الوقت الذي أنفق فيه سلامة ببذخ على طائراته الخاصة والمقربين المزعومين منه، رأى اللبنانيون قيمة مدخراتهم تهبط وأصبحت رواتب الموظفين المدنيين لا تساوي إلا أقل من 100 دولار.

وعين سلامة عام 1993 حيث ساعد على بناء اقتصاد ريعي من رماد الحرب الأهلية ومدح لأنه قام بتثبيت الاقتصاد وسط مرحلة غير مستقرة، ولم تطرح أسئلة حول وسائله المالية “غير الأرثوذكسية”، نظرا لعلاقاته مع النخب السياسية والمصرفية والمانحين الأجانب. وعندما غادر مكتبه في مصرف لبنان ولآخر مرة في تموز/يوليو، تلقى تحية من مجموعة صغيرة من الموالين، لكن فترته التي استمرت لثلاثين عاما تركت سمعة المصرفي البالغ من العمر 73 عاما في حالة يرثى له وأنه ساهم خلال عمله بوضع لبنان على طريق الدمار.

وربط النظام المالي الذي أسهم في تصميمه بخطة بونزي، والتي أفقرت ثلثي السكان ولكنها تركت الأثرياء، بمن فيهم هو نفسه، بدون أي خدش. وهو الآن محل لتحقيقات قضائية في لبنان والولايات المتحدة وفي سبع دول أوروبية على الأقل تقوم بالتحقيق في جرائم مالية مزعومة، وأصدرت دولتان بلاغات بالقبض عليه. وفي 10 آب/أغسطس أعلنت كل من الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا عن عقوبات ضده.

وعلمت صحيفة “فايننشال تايمز” أن مكتب المدعي العام بالمنطقة الجنوبية بنيويورك فتح تحقيقا مع سلامة، مع أن المكتب رفض التعليق. ويكشف صعوده عن حالة لبنان الغارق فيما وصفه البنك الدولي بكساد اقتصادي يعتبر الأسوأ في العالم و”هندسته نخبة البلد التي سيطرت على الدولة واعتاشت على أجورها الاقتصادية”.

 وتعتبر الوثائق من مطار لو بورجيه جزءا من وثائق راجعتها الصحيفة ومن ضمن وثائق أوروبية أخرى “على حساب الدولة” التي نهب مالها وتورطت في غش مالي واختلاس للمال العام. وتضم أيضا تقارير من الشرطة وسجلات مالية ومكاتب تدقيق وعقودا لعقارات وشهادات شهود مكتوبة من فلك سلامة.

وتحققت فايننشال تايمز من صحة الوثائق قدر الإمكان ودعمتها بمقابلات مع رموز رئيسية. وبالمجمل، تقدم صورة شاملة حول ما يزعم أنه أساء استخدام سلطات مكتبه خدمة لمصالحه وأشكال عن توريط عائلته في شؤونه المالية. ويتهم سلامة مع شقيقه رجا بسرقة 330 مليون دولار من الأموال العامة، وقام بغسلها عبر شبكة من الحسابات الدولية والحسابات فيما وراء البحار والمرتبطة بعائلته وما يشاع أنهن عشيقاته، وشراء عقارات راقية من ميونيخ إلى نيويورك واحتال على البنك المركزي لشراء مساحات مكتبية في باريس من شركة يملكها.

وتظهر الوثائق تأثير سلامة الواسع على القطاع المصرفي في لبنان، حيث يقترح المحققون أنه تعاون مع المصارف التجارية للنفع المتبادل وعبر “عقود مشبوهة” وقروض بدون فائدة و”ترتيبات للتستر على الخسائر”، كما وينظر المحققون في أوروبا للمدى الذي تورطت به البنوك في هذه البرامج. وفي بيانها لفرض عقوبات على سلامة، قالت الخزانة الأمريكية إنه “ساهم في فساد لبنان المستشري وكرس فكرة أن النخبة في لبنان لا تلتزم بنفس القواعد المطبقة على كل الشعب اللبناني”. وأنكر سلامة طوال الوقت كل الاتهامات ورفض التعليق على تقرير الصحيفة وأوضح أنه “يحترم القانون وسرية التحقيقات”.

تولى سلامة المنصب عام 1993، بعدما عينه رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، وعلى خلاف أسلافه، فقد جاء من عالم المال، وكان يشرف على مالية الحريري كمصرفي استثماري مع ميريل لينتش في باريس. وعمل الرجلان بالترادف والدفع لإحياء الاقتصاد اللبناني بعد 15 عاما من الحرب الأهلية. وفي ذلك الوقت اعتمد اقتصاده على تدفق المال من المانحين في الخليج والأثرياء اللبنانيين في الخارج واستغلال سرية النظام المصرفي. ومن أجل الاقتراض وجعله متاحا وتمويل عمليات الإعمار، قام الاثنان بوضع حد لصرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار بـ 1.507 حيث ظلت حتى شباط/فبراير. ويرى الاقتصاديون أن تمسك سلامة بسعر الصرف وبأي ثمن هو أصل الفساد الحالي، لأن النظام ظل يعتمد على تدفق الدولار. وظل لبنان وعلى مدى سنين يعيش أبعد من قدراته، ويصل الدين مقابل الناتج المحلي العام إلى 150% وهي إحدى النسب العليا في العالم.

 وأطلق على سلامة لقب “الساحر” نظرا لبقاء الاقتصاد ثابتا خلال فترات من النزاعات والاضطرابات السياسية. وتوقف بنك لبنان عن نشر بيانات الربح والخسارة واستعاض عنها بإعلانات سنوية عن الربح من خلال حيل التدقيق في الحسابات. وزاد تأثيره لدى الرعاة الأجانب والمصرفيين والنخب السياسية، وقالت مصادر مصرفية وموظفون سابقون في بنك لبنان إن سلامة أدار المصرف كأنه “إمبراطورية”. وتكشف الوثائق القضائية أن سلامة كانت لديه السلطة المطلقة على عملياته، كما استخدم حزم الإنقاذ وقروضا محبذة لإرضاء البنوك المرتبطة.

وعندما تراجع تدفق المال الخليجي بسبب الحرب في لبنان عام 2006 والحرب السورية لجأ سلامة إلى “الهندسة المالية” وتحفيز البنوك التجارية لزيادة مدخراتها من الدولارات في البنك المركزي وبفائدة تصل إلى 12%، والهدف من ذلك زيادة الأرصدة الأجنبية المهمة للحفاظ على استقرار العملة. ومن جانبها عرضت البنوك فوائد مرتفعة للعملاء على ودائعهم. ونقلت البنوك اللبنانية معظم السيولة الأجنبية من البنوك في الخارج وأودعتها في مصرف لبنان. إلا أن الهندسة المالية لم تكن مستدامة وانهارت في عام 2019 حيث لم يتبق ما يكفي من دولارات لإبقاء النظام عائما.

وانهارت قيمة الليرة اللبنانية في وقت فرضت فيه البنوك قيودا على ما يمكن للمودعين سحبه من حساباتهم. وتركز الغضب على سلامة، واتهمه الكثيرون بأنه مسح مدخراتهم وسمح للبنوك بمنعها عنهم. وقال صاحب محل اسمه محمد علي حسن “لقد خسرنا كل شيء بسببه”. وقال “الشيء الوحيد الذي سيمحو غضبي هو رؤيته وراء القضبان”.

وعلى خلاف بقية اللبنانيين زادت ثروة سلامة أثناء الأزمة، ففي بداية العام الحالي، أخبر المحققين الأوروبيين في أثناء مساءلة أن مدخراته المالية والعقارات كانت في 1993 نحو 60 مليون دولار، بما فيها 8 ملايين دولار في أراض ورثها من العائلة، وقال إن ثروته الآن تصل إلى 200 مليون دولار، مما يعني أن ثروته تضاعفت ثلاثة أضعاف خلال ثلاثين عاما. ويقول سلامة إن ثروته جاءت من خلال عمله كاستثماري مصرفي واستثماراته الحكيمة. إلا أن الدراسة التي طلبها المحققون الألمان توصلت في عام 2022، إلى أن سلامة “لم يكن ليراكم كل هذه الثروة والمال الذي حصل عليه بطريقة قانونية قبل أن يتولى منصب الحاكم”.

وتقول مصادر مقربة من التحقيق إن تقديرات سلامة عن ثروته تظل متواضعة، وربما وضعت في ملاجئ ضريبية أو أخفاها النظام المصرفي اللبناني السري “ببساطة، لن نعرف ما لا نريد معرفته”، حسب شخص. وفتحت سويسرا في 2020 تحقيقا تبعه تحقيقات في 2021 بلبنان وفرنسا وألمانيا ولوكسمبرغ وبلجيكا والولايات المتحدة وبريطانيا وليختنستين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى