مقالات

قراءة في مشروع قانون الموازنة العامة .. “الجزء الثاني”

التاج الإخباري

كتب الدكتور تيسير الصمادي
كتب وزير التخطيط الأسبق، الدكتور تيسير الصمادي، الجزء الثاني من تحليله لمشروع موازنة العام 2021، و تطرق به للعوامل و الفرضيات التي أخذت بعين الاعتبار عند تقدير الإيرادات و النفقات العامة، و تالياً نص المقال:

وعند الإنتقال إلى تحليل بيانات مشروع قانون الموازنة العامة لسنة 2021 فلا بد من القول أن المتابع كان ينتظر خطاب الموازنة لعله يوضح، من خلال الفرضيات التي اعتدنا على مطالعتها في مثل هذه الخطابات، العوامل التي أخذت بعين الإعتبار عند تقدير الإيرادات والنفقات العامة، وبشكل أكثر تحديدا الجانب الأول! ولكن خطاب هذا العام لم يقدم الكثير في هذا المجال، باستثناء الإشارة إلى معدل النمو الإقتصادي المتوقع، والذي قدر بما نسبته (2.5%) و (3.8%) بأسعار السوق الثابتة والجارية على التوالي! علما بأن الخطاب قد حاول أن يحمل مسؤولية هذه التوقعات، التي يمكن الجزم بأنها مفرطة في التفاؤل، لصندوق النقد الدولي! هذا إلى جانب إفتراض عودة الحياة إلى طبيعتها في هذا العام مما يسمح ب “إستمرار النشاط الإقتصادي دون فرض أي إغلاقات”، وتوقع تحقيق الصادرات الوطنية نموا نسبته (6.5%) في عام 2021 “مع التعافي العالمي من الجائحة”، وتوقع تحسن “الحركة السياحية وارتفاع الدخل المتأتي من هذا القطاع جراء التعافي التدريجي من الجائحة” والحديث عن مؤشرات أولية، لم يتم تحديدها، تظهر أن الإقتصاد “سيشرع في تخطي تداعيات أزمة كورونا”! وغني عن القول أن جميع هذه الفرضيات جدلية، حتى لا نقول غير واقعية، في ظل الطروف القائمة والمستجدات المتلاحقة فيما يتعلق بتطورات الجائحة وما تخلفه من حالة “عدم تيقن وضبابية” أشار إليها الخطاب ذاته في أكثر من محور؛ حتى تكررت عبارة “حالة عدم اليقين” أربع مرات، على أقل تقدير، بين ثنايا الخطاب!

على كل حال، فقد قدرت الحكومة نمو الإيرادات العامة بمقدار (673.5) مليون دينار، أو ما نسبته (9.4%) عن مستواها في العام الماضي؛ وذلك محصلة لإرتفاع الإيرادات المحلية بنسبة (14.9%) أو ما مقداره (948) مليون دينار، من جانب، وتراجع المساعدات الخارجية بنسبة ملحوظة مقدارها (32.2%)، أو ما مقداره (274.5) مليون دينار، من جانب آخر. وبمزيد من التفصيل يشير مشروع القانون إلى توقع نمو الإيرادات الضريبية بما نسبته (9.2%) عن مستواها في العام السابق لتبلغ (5390) مايون دينار. وهذا النمو المتوقع سيكون محصلة لإنكماش حصيلة الضرائب على الدخل والأرباح بنسبة (12.4 %)، من جهة، وتوسع حصيلة كل من الضرائب على الملكية و”الضرائب على السلع والخدمات” و”الضرائب على التجارة العامة والمعاملات الدولية” بما نسبته (167.4%) و (9.9%) و (21.4%)، على الترتيب، من جهة أخرى.

وفي الوقت الذي عزى فيه المشروع توقع إنكماش ضريبة الدخل والأرباح إلى تأثر أداء جميع القطاعات الإقتصادية سلبيا بسبب الجائحة وبالتالي تراجع أرباحها، في عام 2020 ، فإن الأسس التي تم الإرتكاز عليها لتقديرنمو الإيرادات المتحققة من بنود الضرائب الأخرى بقيت غير واضحة؛ مع الإشارة إلى أنها لا تخلوا من المبالغة المفرطة! فكيف يمكن القبول بتوقعات تشير إلى نمو الإيرادات المحلية بحوالي (4) أضعاف معدل النمو المقدر للناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق الجارية؟! وكيف يمكن لحصيلة ضريبة المبيعات، مثلا، أن تنمو بحوالي (3) أضعاف نمو الناتج المحلي الإجمالي المقدر بالأسعار الجارية؟! هذا مع التحفظ على تقديرات معدل النمو الإقتصادي بأسعار السوق الجارية والثابتة، والتي نرى فيها مبالغة كبيرة، ليس في ظل انعكاسات الجائحة المستمرة على أداء جميع القطاعات الإقتصادية فحسب بل وفي ظل مرحلة التباطؤ الحاد التي كان يعانيها الإقتصاد الوطني قبل أن تطل علينا جائحة كورونا لتزيد الأمور سوءا! ومما يجدر ذكره أن خطال الموازنة قد أكد على هذه الحقيقة بصورة واضحة، دون أن يأخذ بها عند التقدير، عندما قال “…أتت هذه الجائحة والأردن يعاني من تحديات إقتصادية هيكلية مزمنة وظروف إقليمية قزمت النمو” بعد أن جاء في الخطاب المذكور ما نصه “فقد كانت التبعات الإقتصادية للجائحة أشد على الإقتصادات التي تعاني من تشوهات مالية مزمنة”!

وعودة إلى حصيلة ضريبة المبيعات، فلا بد من الإشارة إلى أن جزءا كبيرا جدا من النمو الذي سجلته في العام السابق كان ناجما عن إعادة تصنيف بعض البنود، مثل “رسوم المخزون الإستراتيجي” و “رسوم دعم الموازنة” ونقلها من الإيرادات غير الضريبية إلى ضريبة المبيعات؛ وهذا يعني أن نمو حصيلة هذه الضريبة قد جاء إنعكاسا لأثر غير متكرر ظهر في سنة عام 2020 ولن يعود مجددا في عام 2021، وعليه يتوقع أن يكون أداء حصيلة هذه الضريبة، التي تشكل العمود الفقري للإيرادات الضريبية، دون مستواه المسجل في العام الماضي، وهو ما لم يأخذه مشروع القانون بعين الإعتبار!
وأيضا لم يكشف خطاب الموازنة عن الفرضيات التي تقف وراء توقع نمو حصيلة الضرائب على التجارة العامة والمعاملات الدولية بنسبة كبيرة جدا تصل إلى (21.4%) ولم يتطرق لطبيعة الأداء الذي ستححقه المستوردات خلال هذا العام! ولكن قد يكون تقدير نمو حصيلة هذه الضرائب مقرون برؤية الحكومة لعودة الحياة إلى طبيعتها هذا العام وبالتالي توقع تسجيل نمو ملحوظ في حجم وقيمة المستوردات الخاضعة للضريبة! وقد يكون قد غاب عن الفريق الذي قام بإعداد مشروع قانون الموازنة أن مسار المستوردات خلال السنوات التي سبقت الجائحة قد كان مسارا تراجعيا بسبب حالة التباطؤ الحاد التي سادت في تلك السنوات؛ حيث سجلت المستوردات تراجعا نسبته (9.8%) و (0.1%) في عامي 2019 و 2018، على التوالي، قبل أن تسجل تراجعا نسبته (13.6%) خلال الشهور العشرة الأولى من عام 2020 مقارنة مع ذات الفترة من العام الذي سبقه! وبالتالي يمكن الجزم بوجود مبالغة غير مبررة في تقديرات مشروع القانون في هذا الجانب، كما في الجوانب التي سبقته!

وبما أن حصيلة الضرائب على الملكية “ضريبة بيع العقار” ترتبط ارتباطا مباشرا بأداء قطاع العقارات فإن تقدير نمو هذه الضريبة بنسبة صاروخية تصل إلى (167.4%)، أو بما مقداره (72) مليون دينار؛ لتبلغ (115.0) مليون دينار مقارنة مع ما قيمته (43.0) مليون دينار في عام 2020، يعتبر ضربا من الأماني ولا يمكن تصنيفه في باب التوقعات الموضوعية، لأنه يفترض تحقيق قطاع العقار، الذي يعاني الأمرّين منذ سنوات، قفزة بذات النسبة في ظل ظروف يقول خطاب الموازنة نفسه أنها إستثنائية وتتصف بالغموض وعدم التيقن والمعاناة من أرباب العمل والعاملين!
وفي جانب الإيرادات غير الضريببية، فإن الحكومة تقدر نمو حصيلة هذه الإيرادات بنسبة ملحوظة مقدارها (35.0%) ، أي بما يزيد عن (9) أضعاف معدل النمو المقدر للناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق الجارية، أو بما مقداره (496.0) مليون دينار، عن مستواها في عام في عام 2020 لتصل إلى (1908.0) مليون دينار. ووفقا لمشروع القانون فإن هذا النمو سيكون مدفوعا بنمو كل من “إيرادات دخل الملكية” و “إيرادات بيع السلع والخدمات” و”الغرامات والمصادرات” و “الإيرادات المختلفة” بما نسبته (22.4%) و (37.7%) و(22.4%) و ( 44.5%)، على الترتيب! ومرة أخرى فإن هذه النسب تحمل في طياتها مبالغة واضحة وتفتقر إلى مؤشرات تدعمها في ظل تعمق حالة التراجع الشديد في أداء أغلب القطاعات، وفي ضوء معدلات نموها في السنوات الأخيرة؛ إلا إذا كانت الحكومة ترى أن الإقتصاد الوطني سيسجل قفزة نوعية تفضل عدم البوح عن روافعها في الوقت الحالي!

وفيما يتعلق بالمساعدات الخارجية، فقد توقعت الحكومة تراجعها بنسبة (32.2%)، أو ما مقداره (274.5) مليون دينار! وقد كان مبرر هذا الإنخفاض، كما جاء في خطاب الموازنة، هو “التحوط في تقدير حجم المنح الخارجية المتوقعة والإقتصار على المنح المؤكدة”! وفي الوقت الذي نقدر فيه مثل هذا “التحوط” فقد كان يحدونا الأمل أن يشمل أيضا تقدير الحكومة للإيرادات المحلية بكافة بنودها بحيث تصبح أقرب للواقعية وتتجنب الوقوع في نفس المصيدة التي وقعت فيها الموزنات السابقة والتي أدت إلى مفارقات كبيرة بين البيانات المقدرة والبيانات المتحققة على أرض الواقع! ومن الجدير ذكره أن الإنخقاض المتوقع في المنح الخارجية قد جاء مدفوعا بصورة شبه كلية بتراجع المساعدات الأمريكية التي توقع مشروع القانون إنكماشها بمقدار (262.4) مليون دينار! ولا يستبعد أن يكون هذا التقدير “خطوة تكتيكية” تهدف إلى تخفيض حجم المنح المقدرة بحيث تسهم المنح المتحققة، والتي يتوقع أن تتجاوز ما تم تقديره في ضوء عدم خروج تصريحات من الإدارة الأمريكية تشير إلى مثل هذا التوجه، بحيث يسهم الفرق الإيجابي بين المقدر والمتحقق من المنح في التقليص من الفجوة الكبيرة المتوقعة في جانب الإيرادات المحلية!؛ أي أن هذا التقدير يستند إلى “حركة تجميلية” أكثر من إستناده إلى “تحوط موضوعي”!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى