مقالات

كريشان يكتب.. «شارع الملك حسين».. لوحة فنية توثق تاريخ عمان القديمة

التاج الإخباري – بقلم محمود كريشان –

نعشق جميعا العراقة ويصيبنا الحنين للعودة الى الماضي التليد.. نستنشق عبق عمان القديمة، بكل معالمها الحية، المتشبثة بإرثها وتقاليدها وذاكرتها.. وتقرأ في جدرانها تاريخا طويلا، وسنوات عديدة، وهي توزع العراقة على ماضيها وحاضرها ومستقبلها.. فبمجرد أن تطأ قدمك هذا المكان وكأنك عدت بالزمن لأكثر من (80) عاما.. أو خارجا للتو من فيلم عربي قديم بالأبيض والأسود..!

الحكاية الجديدة من وسط البلد، وتحديدا «شارع الملك حسين» الذي كان يُعرف سابقا بـ»شارع السلط».. يظهر أمامك محال على ناصية الشارع، على هيئة متحف أو معرض كرنفالي تراثي في عمارة قديمة تحمل الرقم (45).. يطالعك مُجسم فني لصورة الملك الحسين بن طلال «طيب الله ثراه».. تدخل من أبواب المشروع التطوعي الفني الثقافي الواسعة، لاستنشاق عطر الماضي التليد، وتطالعك مقتنياته المعتقة.. أفيشات الأفلام السينمائية القديمة، مجلات نادرة وصحف قديمة جدا، بمانشيتات لأحداث مهمة بحُقب ملتهبة، وجدارية «من أقوال الدوق» تحمل رشيق العبارات الإنسانية والوطنية، وصور كبار الفنانين الأردنيين في الزمن الجميل، وأخرى لوزراء الثقافة، ورؤساء البلدية وأمناء عمان، ومقتنيات من ذاكرة الإذاعة والتلفزيون الأردني، صور نادرة لعمان القديمة، طوابع من عصور ماضية، وميداليات ونياشين ونثريات توثيقية، فيما يضم الطابق الثاني، حكايات الخط العربي، ولوحات لكبار الخطاطين الأردنيين والفنانين التشكيليين.. وقس على ذلك..!

إذا.. أنت أمام مشروع توثيقي، ثقافي، فني، يُخلد حكايات من سطروا صفحات من تاريخ الأردن الحديث، وكانت لهم رؤية وأهداف وبصمات، لكنهم تركوا تراثا وإرثا، لا يزال يثير اللهفة والشوق، وهذا ما ترويه مقتنيات معرض ومشروع جديد، حمل اسم الشارع ذاته الذي يتواجد فيه «شارع الملك حسين» ليمثل «بانوراما» للتاريخ الأردني الحديث، بما يحتويه المعرض، من لمحات من سيرة العاصمة «عمان القديمة» على امتداد سنوات طويلة ماضية، من لوحات وصور فوتوغرافية ووثائق وكتب وأدوات ومقتنيات تراثية مهمة، موزعة في أرجاء مشروع «شارع الملك حسين» بموقعه المطل على صفحات التاريخ العماني في وسط المدينة.. ولا ننسى التأكيد هنا على أن «الدخول مجانا» لمشروع «شارع الملك حسين»..

خطاب: لا بد أن نفخر بتاريخنا

«لا بد أن نفخر بتاريخنا وما يرتبط به ونبني عليه».. هكذا يقول مؤسس المشروع الفنان غازي خطاب، خاصة وأن عمان كانت شاهدة في بيئتها وعمرانها وإرثها على تطور الأردن، إذ كانت عمان مثالا للانفتاح على الثقافات بمختلف أصولها؛ ما يجعل من الضروري في زمننا الحالي تقديم ما يليق بعاصمة بلدنا بتوثيق تاريخها والحفاظ عليه وعرضه للأجيال بما يليق بتاريخ المدينة، وبنهوضها، كونها مثالا يحتذى، من خلال قصص رجالها ومن نسجوا حكايات زمنها الجميل، وبشتى المجالات الفنية والسياسية والإعلامية وغير ذلك، مؤكدا أن مشروع «شارع الملك حسين»، سيكون الإفتتاح الرسمي له، في سياق احتفالات الوطن باليوبيل الفضي لتولي جلالة الملك عبدالله الثاني سلطاته الدستورية، وذكرى استقلال الأردن.

«خطاب» الذي يمتلك أدواته كحفار انثروبولوجي في تاريخ عمان المعاصر، قال أيضا في سياق حديثه ان مشروع «شارع الملك حسين»، جاء انطلاقا من انتمائي الشخصي إلى المدينة التي عشت فيها، وشكلت وجداني.. طفلاً وشاباً ورجلاً.. فالمشروع التطوعي يضم الأركان التالية: مركز الدوق للتصميم، شريط عمان السينمائي، ذاكرة الصحافة الأردنية، لوحات خط عربي وزخرفة، ذاكرة المجلات العربية، ذاكرة الإذاعة والتلفزيون، ركن القراءة والموسيقى، لوحات فن تشكيلي، خزانة المصور زهراب، معربا عن شكره لدوق المدينة الوجيه ممدوح البشارات، الذي قدم هذا المكان منه، ليكون في صورته الحالية عشقا وتقديرا من الدوق البشارات لعمان العاصمة الجميلة، بإعتباره العاشق للتراث والساعي لحمايته والحفاظ عليه.. كما أن ممدوح البشارات «الدوق» يعلن دوما دعمه للفن والفنانين، لذلك تبرع بتقديم البناء الذي يحتضن المشروع، ليكون موئلا لإبداعاتهم وتخليدا لأعمالهم الراقية..

سحر الذاكرة ونسيج الحكايات
وعلى صلة.. تجولت «الدستور» في أروقة هذا المشروع التنويري، حيث تستقبل الزائر افيشات الأفلام القديمة التي كانت تُعرض في دور السينما في وسط البلد «زمان» في محاولة لاستعادة الأجزاء المتناثرة من جسد السينما وإعادتها فى سياقها التأريخى الإنساني بتدوينها بـ»ذاكرة السينما» وإلقاء الضوء على عدد من افيشات الأفلام المنسية والنادرة.. الممثلين، المخرجين والمؤلفين، الشركات المنتجة، كل ذلك على صور أفيشها الأفلام القديمة والرائجة منذ حقبة الستينيات وما بعد ذلك أو قبله تقريبا، وحمل هذا الركن اسم «شريط عمان السينمائي».

وتمضي نحو ركن آخر يضم فيما يضمه صورا للمذيعين في الإذاعة الأردنية والتلفزيون الوطني، منذ انطلاق لحظة البث الأولى، في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، بالإضافة لصور وزراء الثقافة ومدراء الإذاعة الأردنية، بالإضافة لحرص المشروع على تخليد كبار الممثلين الأردنيين ممن غيبهم الموت، ومن هم على قيد الحياة أيضا، وقد تركوا فينا إرثا فنيا جميلا، أدخل البهجة الى القلوب في ذات زمن مضى، بينما تركن في زوايا المشروع الواسعة، نُسخ من صحف أردنية وعربية قديمة، تبرز ماشيتات لأحداث ملتهبة وساخنة، في حقب الستينيات وربما ما قبل ذلك، بالإضافة لأعداد من مجلات وإصدارات محلية وعربية نادرة جدا.

نجول في الأروقة التي تحتوي ذاكرة عمان، ونتوقف عند «خزانة زهراب» المخصصة لعرض إبداعات الفنان زهراب ماركريان، المصور الخاص للقصر الملكي الهاشمي العامر، حيث الصور الجميلة بنسخها الأصلية للعائلة الهاشمية الكريمة، وفي حقب زمنية متعددة، فيما توجد بركن آخر مقتنيات قدمها للمشروع مشكورا العماني «جليل طنوس» وهي عبارة عن طوابع تبوح بالماضي، بإصدارات خاصة تخليدا لمناسبات وطنية قديمة متعددة، كذلك ميداليات معدنية تراثية، ونياشين مزخرفة ونثريات متنوعة، تحمل بعض تاريخ عمان والأردن، فيما لم يغفل مؤسس المشروع غازي خطاب، عن تخصيص ركن للقراءة والمطالعة والاستماع للموسيقى، من أجهزة تسجيل بالغة القدم، يضمها المشروع من ضمن موجوداته الرائعة.

الإبداع الفني بمساحة واسعة

ولإعادة الإعتبار لفن الخط العربي، بوصفه رمزا للهوية القومية وايقونة جمالية حضارية، فإن المشروع يوفر لهذا الإبداع الفني مساحة واسعة، في محاولة للحفاظ على هذه الممارسة الفنية العريقة، على نطاق واسع، ويجد الخطاطون التقليديون مكانا رحبا لهم، حيث يضم مشروع «شارع الملك حسين» في مساحة واسعة «ديوانية الخط العربي» التي لا يقتصر نشاطها على إستضافت الخطاطين بل أيضا «الخطاطات» من العنصر النسوي، حيث يدفع مؤسس المشروع «شخصيا» تكاليف جهدهن بقيامهن بإعطاء ورشات في هذا الفن للطلبة والمهتمين، حيث تكون هذه الورشات المستمرة بإنتظام «مجانية» سعيا للحفاظ على فنون وجماليات رسم الحرف العربي، كذلك معرضا للوحات الفنية التشكيلية التي يعرضها أصحابها في المشروع، لتكون إضافة نوعية بكل ما تحتويه من روعة وتعبير وجمال.

ولا نغفل عن الإشارة إلى أن المشروع بصالاته الرحبة سيكون متاحا أمام طلبة العلم لإجراء أبحاثهم المتعلقة بالتراث والفن والخط العربي وغيره، كذلك إستقبال معارض الفنانيين التشكيليين والخطاطين ومناسبات إشهار الكتب، وإحتضان الأمسيات الشعرية والثقافية، وإقامة مشاريع التخرج لطلبة الجامعات، والإحتفال دوما بالمناسبات الوطنية، بالتنسيق المستمر مع الجهات الرسمية المعنية.. وكل ذلك وغيره بـ»المجان» ودون أي مقابل، بإعتبار المشروع فكرة تطوعية لخدمة المدينة وأهلها..

عموما.. ستبقى أفكار «غازي خطاب» الإبداعية، والتي نرجو ان يعتني بها مخرج ملهم في أفلام عمانية، لا تلغي الكتاب بوصفه دراسة انثروبولوجية، ولا تؤذي جهوده التي يمكن استخدامها في ابحاث مختلفة، فلقد اصبح ضرورياً الآن ان يكون لهذه المدينة ذاكرة مرئية أيضا، بحيث جاءت بشائر الخير بنجاح فكرة «شارع الملك حسين» إستكمالا لنجاحات حققتها ولا تزال فكرته السابقة بتدشينه «متحف آرمات عمان» في ذات الشارع العماني العريق.

ختاما.. فإن زيارة واحدة لمعرض «شارع الملك حسين» لا تكفي، فالمعروضات النادرة تم توزيعها بأسلوب عرض إحترافي، لتروي صفحات من تاريخ عمان عبر هذه القطع الفنية، كما أن المعرض يثير الفضول لمزيد من التفاصيل عن حياة تلك الأسرار الرائعة من تاريخ المدينة وذاكرتها الخصبة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى