مقالات

مكانة اللغة العربية في العالم الرقمي

التاج الإخباري – رهف الجراح

بدأ الانترنت كشبكة محدودة النطاق في البداية تسمى ARPANET في عام 1969، تم تطويرها بواسطة وزارة الدفاع الأمريكية لتبادل المعلومات بين مختلف المؤسسات البحثية. منذ ذلك الحين، تطورت شبكة الإنترنت بسرعة وأصبحت متاحة للاستخدام التجاري والشخصي في الثمانينيات والتسعينيات، ومن ثم انتشر استخدامها على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، ولعلنا لا نبالغ عندما نقول بأن شبكة الإنترنت أحدثت ثورة في تطورها ووصلت الى ملايين المستخدمين في معظم بلدان العالم.

بعد أن هيمنت اللغة الانجليزية على شبكة الانترنت باعتبار انها نشأت تحت لواء اللغات المنتمية إلى الخط اللاتيني والإغريقي، تعالت أصوات معظم الباحثين والخبراء في الحقل اللغوي بضرورة المحافظة على التنوع والتعدد اللغوي على شبكة الانترنت، بعد أن أدركوا أهميته نظرًا للعدد المتزايد والمستمر لمستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي عبر العالم عامة والبلدان العربية خاصة، فمثلا نجد الويكيبيديا التي تعتبر من أشهر مواقع الويكي “Wiki” المنتشرة على شبكة الانترنت تنشر المقالات فيها بأكثر من 300 لغة بما في ذلك اللغة العربية التي تصدر بها غالبية المقالات المنشورة، كما تم توفير محتوى موقع ” اليوتيوب” بأكثر من 100 لغة مختلفة منها العربية. وتم تعديل تطبيقات “الفيس بوك” لدعم جميع اللغات، بالإضافة إلى إطلاق مشروع تعريب أكبر تطبيق للمحادثات الفورية في العالم”WhatsApp ” في عام 2009، وأعلن تطبيق ” تويتر” عن إطلاق نسخته باللغة العربية، الأمر الذي جعل استعمال العربية يسجل أعلى معدلات نمو في أشهر مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية وفق”Wiki”.

وفي معرض استطلاعنا لآراء المتخصصين في هذا المجال قالت صانعة المحتوى الرقمي المتخصص في أدوات الذكاء الاصطناعي براءة العجلوني إن الافتقار للمحتوى الهادف في اللغة العربية يعزى إلى هشاشة التثقيف التوعوي وقلة المحتوى التعليمي للأفراد بلغة سليمة، لا سيما للجيل الرقمي الحديث الذي ينمو أمام شاشات الكمبيوتر.

وأضافت أن العقل البشري هو الأساس في تحريك قواعد الذكاء الاصطناعي الذي لن يتطور اذا لم يطوره الانسان، فهو المتحكم الرئيسي في خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصناعي في تعزيز المحتوى العربي على الانترنت

وبينت العجلوني أنه من الممكن استغلال هذه الخوارزميات بالوصول إلى أكبر قدر ممكن من المستخدمين من خلال تحقيق التوازن بين تحسين محركات البحث واستعمال خوارزميات الذكاء الاصطناعي بدقة، وذلك بالاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تساعد في توسيع القاعدة الجماهيرية وتجهيزها للانطلاق منها، عن طريق دراسة الجمهور المستهدف وتحليله كخطوة أولى من ثم تصنيفه إلى فئات مثل العمر أو الجنس ومجال العمل، وبرمجة المحتوى بناءً على الخوارزميات ما يمكن من الظهور في محركات البحث بشكل أفضل.

وأوضحت العجلوني أن ال (تشاتGPT) ليست الأداة الوحيدة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي بل إنه أتاح الكثير من الأدوات، أهمها ال (open source) الذي يقدم معلومات لكل محركات البحث التي تدخل إلى الخوادم (servers) في الأردن، ذلك ما يساعد في استقطاب الأشخاص حول الموضوعات المتعلقة بالمحتوى العربي التي تم البحث عنها بشكلٍ متكرر، عن طريق تحديد الدولة ومنصات البحث المستهدفة من قبل المستخدمين، إذ يمكن الاستفادة من تلك النتائج لعمل محتوى للمشاهد وفق الموضوعات التي أخذت أكبر عمليات بحث ليصل إلى المحتوى الذي يريد أن يتعلم عنه، والذي يمكن أن يكون كل منها موضوعًا لمحتوى ما.

تحديات الذكاء الاصطناعي في مجال اللغة العربية: ” ماذا يفعل البشر بشكل أفضل؟”

ومن جانبه قال رئيس قسم تطوير المشاريع في مؤسسة وجيز للأداء الصوتي زيد حداد إنه وبالرغم من أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دور 40 % من الأيادي العاملة في معظم المجالات وفقًا لتقارير عالمية صدرت، إلا أن العاملين في قطاع اللغة العربية هم آخر من يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل مكانهم، نظرًا لصعوبة اللغة العربية وتنوعها واحتوائها على حركات ومترادفات كثيرة، لا يمكن للذكاء الاصطناعي اتقانها بشكل كامل إلى الآن.

وذكر حداد أن معظم الشركات المختصة بإنشاء المحتوى والتكنولوجيا تركز على جني الأرباح وتسعى لتوفير الأيدي العاملة، إلا أنها ما زالت بحاجة إلى أشخاص متخصصين باللغة العربية قادرين على نطق مخارج الحروف العربية بشكل صحيح، إضافة لضرورة إجادتهم للكتابة والصياغة والتحرير والتشكيل، معتبرًا أن الذكاء الاصطناعي يعطي طابع الجمود الروبوتي الذي لا يمكن أن يحل بديلًا عن الشعور الإنساني، فهو يفتقر للحس البشري والعاطفي والإبداعي لا سيما في تسجيل بودكاست الكتب الصوتية، إذ إنه من غير المستساغ سمعيًا أن يسرد بنسق خالٍ من الشعور الإنساني، إلا أن دوره قد يقتصر على المساعدة في بعض الموضوعات دون الاستغناء الكامل عن دور الإنسان.

وبدوره قال المدير العام الأسبق لإذاعة مجمع اللغة العربية الإعلامي سمير المصاروة إن أهم تحدّ يواجه اللغة العربية يعود لحالة الضعف العام بين الناطقين بها، معتبرًا أن ما ينقص الأفراد حاليًا هو عدم الافتخار بلغتهم العربية، إذ إن النظرة لمتقنها بشكلها القواعدي السليم يعتريها نوع من السخرية والتندر.

أهمية اللغة العربية في أداء الرسالة الإعلامية

وعبّر عن استيائه إزاء بعض ظواهر الضعف اللغوي التي تتمثل في عدم إجادة الإملاء والصياغة، على الرغم من أن أغلب من يواجهون تلك المشاكل من فئة الحاصلين على الشهادات الجامعية، مؤكدًا عدم تقبله لأي خطأ ناجم عن أي شخص مكمل للمرحلة الدراسية الإعدادية خصوصًا في قدرته على الإملاء واختيار المفردات المناسبة في التعبير.

ولفت مصاروة الإنتباه إلى أهمية التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم، ما أسماه ب “عصر السبق الإعلامي” الذي سمح لأي شخص باستعمال منصات التواصل الاجتماعي وتكوين جمهور والتأثير به من خلال إتاحة المنصات المختلفة على شبكة الإنترنت، الأمر الذي يحتّم على المؤسسات تكثيف الجهود المبذولة في تعليم اللغة العربية للأفراد، من أجل بناء جيل يتحدث لغة سليمه بحيث يكون قادرًا على استعمال هذه المنصات بشكل صحيح.

وبين أن للإعلام وتخصصاته وطلبته الدور الأبرز في إتقان اللغة العربية باعتبارها مادة الإعلام الأولى، إذ يعد تخصص الصحافة والإعلام من التخصصات التي يجب أن تتعمق في اللغة العربية غير سواها، لكي تخرج مذيعًا أو محررًا أو مدققًا أو مجرد ممارس لهذه المهنة، ما يفرض عليه أن يتمتع بلغة بليغة وسليمة وعالية ومحكمة الصياغة في التعبير، ليستطيع أن يؤثر بالجمهور ويكون قادرًا على إيصال رسالة الإعلام.

وأشار المصاروة إلى أن هناك استخفافًا باللغة العربية بات واضحًا في بعض المؤسسات الإعلامية، الأمر الذي أصبح مقلقًا على توجيه الرسالة الإعلامية، إذ إن بعض المؤسسات تعتمد على قاعدة تسكين الجملة (سكّن تسلم) وتجنب تشكيلها تشكيلًا لغويًا سليمًا، ذلك ما يخلق ضررًا سلبيًا بهوية اللغة العربية.

وشدّد على ضرورة تلافي الضعف في اللغة العربية عند الإعلاميين بحجة “لغتي عقدي”، إذ إن الإعلامي عليه أن لا يتوقف عن القراءة والثقافة والمتابعة وزيادة المعرفة، مبينًا أن أي إعلامي لدية مشكلة في لغته عليه بحضور الدورات المختصة بذلك والقراءة في الأدب العربي بحيث يصبح قادرًا على امتلاك ملكة لغوية وفكرية عالية.

مصاروة: “نحن من نخون التعبير ليس التعبير من يخوننا”

ووصف مصاروة اللغة العربية بالكنز التعبيري باعتبارها تحوي عددًا مهولًا من الكلمات والمصطلحات التي تمكن الناطقين بها من التعبير عن أحاسيسهم ومشاهداتهم بأكمل وصف، قائلاً إن جملة ( يخوننا التعبير ) هي جملة خاطئة إذا ما قيلت بحق اللغة العربية، نظرًا لكون اللغة العربية توفر للناطقين بها أوصافًا تسهل عليهم توصيل أحاسيسهم بدقة، لافتًا إلى أن الناطقين باللغة العربية هم من يخونون التعبير وليس العكس.

وفي إطار الحديث عن أهمية التحدث باللغة العربية السليمة بين أفراد المجتمعات العربية، وعن الأثر الإيجابي الذي قد يتركه ذلك الاستخدام للغة، قال عضو مجمع اللغة العربية الأستاذ الدكتورهمام غصيب إن جميع الأمم التي تركت منجزات علمية وحضارية قد نهضت بالأساس بلغاتها الأم، مستشهدًا بأينشتاين وغاليليو غاليلي الذين استخدما لغتيهما الأم لإيضاح اكتشافاتهما العلمية.

وفي ذات الصدد أوضح غصيب بأن ثمة ضرورة لتعليم اللغة لغير الناطقين بها ذلك ما قد يزيد من فرصة انتشارها والإقبال عليها، لافتًا النظر إلى أن تلك المهمة تقع بالمقام الأول على عاتق المؤسسات والمجامع اللغوية.

ولفت الإنتباه إلى أن تحدّث اللغة العربية السليمة لا يقتصر على كونه أسلوبًا للتواصل، بل إن لذلك انعكاسًا على جودة الإنتاج التنموي والإقتصادي وحتى التصنيعي، معتبرًا أن التعريب السليم هو أول منطلقات تحقيق التنمية.

وفي إطار إيجاد الحلول لمشكلة عزوف الناس عن إستخدام المحتوى العربي السليم، بيّن غصيب أن مجمع اللغة يبث عبر إذاعته برامج تحث المستمعين على ضرورة إستخدام اللغة العربية بصورة سليمة، لافتًا إلى أن الدعايات وحتى الأغاني التي تُبث عبر إذاعة المجمع يتم اختيارها بعناية بحيث تتضمن لغة عربية سليمة، مشيرًا إلى أن ذلك يساعد المستمعين على تعلم اللغة باعتبارها طريقة سلسة ذات طابع ترفيهي لتعلم اللغة بشكلٍ سليم.

وأضاف أن مجمع اللغة العربية له دور أساسي في محاولة النهوض بالتعليم من خلال عقد امتحان كفاية اللغة العربية كشرط للعاملين في قطاع التعليم في المؤسسات الحكومية.

وفي معرض حديثه قال غصيب إن أمانة عمان لها إسهام إيجابي في الحفاظ على اللغة العربية، من خلال تطبيقها لقانون حماية اللغة العربية الذي تُلزم من خلاله بتسمية الشوارع والأماكن الرسمية بلغة سليمة.

ونوّه إلى أن الأمانة تراقب الشواخص التي ترد فيها أخطاء لغوية وتقوم بتعديلها.

ومن جانب آخر وعلى عكس الآراء التي استطلعناها قال الرئيس التنفيذي للمحتوى في مؤسسة وجيز رامي أبو جبارة إن من أكبر المشاكل التي يواجهها الناطقون العرب غير الضليعين باللغة العربية هو اشتمال الفصحى على قواعد صعبة ومعقدة تقف حاجزًا في الكثير من الأحيان أمام تعلمها وبالتالي فهمها بشكل سليم مع أنها لغة الإعلام ولغة الكتب والثقافة ما يؤدي إلى انحدار مستواهم المعرفي أو لجوئهم إلى لغات أجنبية، داعيًا إلى ضرورة تظافر الجهود من أجل الخروج بعربية فصحى “مبسطة” لتكون مجارية للغات هذا العصر، مقترحًا إسقاط بعض القواعد اللغوية الجامدة من هذه النسخة المستحدثة من العربية الفصحى ليسهل على الناطقين بها تعلمها بشكل سليم، ولتصبح لغة الحياة اليومية ولتكون هذه الفصحى قادرة على استعادة حضورها أمام زحف اللغات الأجنبية واللهجات العربية المحكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى