مقالات

“تراث ماعز مشايخ: هيلانه، أم باسل، والنسيج الفني الذي يجمعهم”

التاج الإخباري – بقلم رهف الجراح

قال تعالى : (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّافِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًالِلشَّارِبِينَ) [سورة النحل:الآية 66].

لطالما كان النظر إلى وجه من نحب سبيلًا نحو الشفاء منالاسقام، وربما طريقًا وحيدًا للتخلص من غصات النفسوحمق الحياة ومكابدة المصاعب. هو طريق ترتقي فيه النفسإلى أعلى مراحل التصوف ليتحول كل الشعور بالحمق إلىراحة أشبه بتحليق سرب من الفراش داخل الصدر، وأقربللشعور بتهاطل زخات من الثلج في نواحيه وصولًا لمرحلةإثلاج الصدر، تلك المرحلة التي من شدة إنشادنا لها بتنانرددها كجملة إنشائية على سبيل المبالغة في الوصف،لمعاينة حالة رخاءٍ أو سعادة يُستعصى على معاجم اللغاتتوصيفها أو تشخيصها.

هكذا تصف هيلانه التي تسكن أعلى جبال سراس علاقتهابمشايخ، فنظرها إلى عينيها وتحسسها منها وسيلة لمتفشل يومًا في جعلها تستردّ عافيتها وتعزز عندها الشعوربالحنية والتسامي، كما لو كانت تؤدي طقسًا روحيًا صوفيًا،أو تمارس نوعًا من أنواع ال”Meditation التأمل” على أحدجبال الهند المتاخمة للسماء. 

مشايخ ترتبط بصاحبتها هيلانه، امرأة ذات وجه ملغز يخفيالكثير من القصص التي يندمج وجود مشايخ بأناقتها. فيقلب جبال سراس، تنسج قصة فنية فريدة حين يلتقي الحب والحنان في وجود مشايخ، ماعز تحمل في طيات دفئها إحساسًا عميقًا. هيلانه، سيدة الجبال، كانت على مدى 40 عامًا تتقاسم حياتها مع مشايخ، ماعزها المميزة التيأصبحت جزءًا لا يتجزأ من عالمها الفني. يقول السكانالمحليون إن لديها قدرة عجيبة على التواصل الروحي، وإنعينيها تتسللان إلى الأعماق لتفسر ألوان الروح حينيبرز البوهيميا والتفاصيل الدقيقة لمشايخ، وجهها الغامضوعينيها العميقتين.

وبالرغم من كونها ماعز لا تقوى على التعبير كما البشر، إلاأن هيلانه مقتنعة أن أكثر أنواع الحب نقاء هو ذاك الذييُفهم دونما تعبيرًا عنه أو مجاهدةً لوصفه.

فمن هنا تبدأ علاقة هيلانه بمشايخ، للدرجة التي رفضت بهاهيلانه طلب زوجها ببيع مشايخ معتبرةً أن ما منحتها إياهمن حب يتخطى علاقة بيع وشراء.  

تبرر هيلانه حبها لمشايخ باعتبارها لم تخذلها يومًا فهيالتي كانت تؤمن المصاريف للأولاد وهم على مقاعد الدراسة، وهي التي من إنتاج لبنها درست البنات وصلُب عود الرجالوصُبغ جو الطمأنينة والسكينة على المنزل، ومن هنا بدأتشعلة التفكير بضرورة شراء المزيد من الماعز. 

وفعلا لم يبق ذلك التفكير مجرد خيالات تتراوح في دماغهيلانه، فقد قررت وزوجة شقيقها أم باسل أن تشتركا في ( صيرة غنم ) غير آبهتين بما كُن يسمعن عن صعوبة تربيةالمواشي، ومتمردات على كل الأنماط الإجتماعية التيحصرت مثل تلك الأدوار بالرجل فقط.

وبالفعل بدأ المشروع بشراء أم باسل لعشر غنمات وهيلانهلعشر، على أن تقتسما أعمال الصيرة على النحو التالي: تستيقظ هيلانه في الخامسة صباحًا لتنظيف الصيرةوتجهيز الماعز للخروج في رحلة السراحة التي يقود بها الدفةجمال إبن هيلانه الاوسط. يعود الغنم إلى الصيرة فيالساعة الثانية عشر مساءًا من نفس اليوم ليأخذ قسطًا منالراحة ويُطّمئن على صحة الأغنام، وهنا يأتي دور أم باسللتنظف الصيرة وتجهز الغنم لجولة السراحة الثانية التييحل فيها نجل أم باسل محمد راعيًا للأغنام حتى السادسةمساءً. وعند المعاد تجتمع أم باسل وهيلانه لحلب الحليبوتجهيز الماعز للنوم، وفي اليوم التالي يُقلب “الشفت” فتستيقظ أم باسل صباحًا بدلًا من هيلانة إلى إكمال اليوم. 

بعد الحلب تُقسم الحصّة قسمةً غير ضيزى، فتأخذ هيلانهنصف المحلوب والنصف الآخر من نصيب أم باسل، ويُخضالحليب (يدويًا)، فتستخرج منه الزبدة والشنينة، ومنه مايحوّل إلى سمن والأجبان بمختلف أنواعها، ومن الحليب مايُعمل جميد ومنه الكشك، وفي بعض المواسم التي يتوالد بهاالماعز فإن الحليب المحلوب من الماعز بعد الولادة بثلاثة أياميسمى (الألبى)، ويتحول بعد غليه من حالة الحليب السائلةإلى حالة الجمود، ويأخذ شكل طبقة تؤكل بالملعقة ويعدمن أنواع الحلويات إذا أضيف له القطر وطعمه شهي ولذيذللحد الذي لا يوصف، “كما تصفه أم باسل”، وزيادة علىاللذة ففائدته للجسم عظيمة. 

أمّا مرحلة ما بعد الإنتاج فتُؤخذ المونة وتقسم إلى حاجةالمنزل، وباقي الكميات يتم بيعها وتلقى رواجًا كبيرًا للدرجةالتي أصبح الناس يحجزون دورًا أملا في الحصول علىكيلو من السمنة أو نصف كيلو من الزبدة، وربما ينتظرأحدهم عامًا كاملاً ليحظى بثلاثة كيلو من ال (ألبى)، بعد أنوُصف كعلاج لأحد الأمراض المزمنة. 

وفي هذا أسمعتنا أم باسل وهيلانه عددًا من قصص العلاجالتي شُفي بها على أيديهما أشخاص كانوا يعانون منمشاكل في التناسل والتكاثر. وتروي أم باسل أن أحدالأشخاص من السعودية قصدها طلبًا للبن الماعز بعد أنوصفوه له كعلاج لأحد مشاكل العقم، وتقول انها أعطتهحصة أولادها من اللبن بعد نفاذ الكمية المخصصة للبيع علىاعتبار أنه قصدها من السعودية، وبعد مرور عامين عادنفس الرجل ليخبرها بأنه وزوجته لم يكملا كمية اللبن التيأخذها حتى حملت زوجته بتوأم وقد عاد إليها ليشكرها. 

أما هيلانه فتروي لنا أنها وبينما كانت في إحدى المناسباتالإجتماعية اعترضها رجل لا تعرفه وقد “تَتَرْتَح بها” على حدوصفها طالبًا منها أن تؤمن له كمية من السمنة، بعد أنوُصف له كعلاج لمشكلته الممتدة لأكثر من ست سنوات علىزواجه دون أن يرزق بأولاد، فتحركت مشاعر هيلانه بعد أنشرح لها حالته وقررت أن تعطيه في اليوم التالي ما كانيطلبه، ولم يمر شهران حتى عاد نفس الشخص ليخبرها بأنزوجته قد بُشرت بأنها قد حملت. 

وعلى هذا الحال فقد أخذت تجارة هيلانه وأم باسل تتعاظمشيئًا فشيئًا المقبلون على المنتج بازدياد متضاعف، لدرجةأنهما اصبحتا ينزعجن من إصرار الناس عليهما ليحصّلواالمنتج، ومن الناس من أصبح يزيد من المبلغ المالي ليحصلعلى المنتج بأسرع ما يمكن. 

عندها قررت أم باسل وهيلانه أن تزيدان عدد الماعز ليسدحاجة الطلب على المنتج، وبالفعل فقد زُودت الصيرة بأربعةوعشرين من الماعز، لعل هيلانه وأم باسل لا تعانيانالحرج بعد اليوم.

ذلك القرار تطلب عمل توسعة للصيرة لتستوعب الزيادة عددالمواشي، وكذلك إدخال عاملة جديدة على المهنة، لتأمينالجهد المطلوب من حلب وتنظيف وتجهيز للرعي ووضعالعلف في الشتاء، وها هي ( سيادة ) ابنة أم باسل تدخللتساعد والدتها على المهمة كمتدربة رفقة ( سوسن ) ابنةهيلانه التي دخلت هي الأخرى لتساند والدتها بعد زيادةأعداد المواشي. 

سوسن تساند أمها في فترة المساء وتكتسب منها الخبرةفي أساسيات الحلب .. كذلك سيادة تساند والدتها فيالصباح حتى انقلاب “الشفت” وتبدل الأدوار، وشيئًا فشيئًاتطورت مهارة سيادة وسوسن إلى أن اكتسبتا المهنةوأراحتا والدتهما اللاتي بات يقصر دورهن على التوجيهوالنصح أن دعت الحاجة بعد التقدم في السن. 

خلف كل ذلك، وبعيدًا عن الصيرة والغنم والحليب، كان لذلكالماعز فضل في صناعة عائلتين في كل منهما مهندسوممرضة وطبيب، لم تكونا لتحصلان على ما حصلتا عليهأو يؤمنوا أقساط دراستهم لولا أن مشايخ ألهمت هيلانهوزرعت في قلبها حب الماعز، لتعمد إلى امتلاك مجموعة منهارفقة أم باسل وتوسع تجارتها فيما بعد لتكون مقصدًا لكلمن أراد أن يستلذ بما تنتجه الأنعام. 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(صلوا في مراحالغنم وامسحوا رغامها فإنها من دواب الجنة).

رغم بلوغ هيلانه عتبة الخمسين، لم تتخل عن حنانها لمشايخ. تبقى الروح الملهمة للماعز متجذرة في قلبها.

اليوم وبعد تقدم أم باسل وهيلانه بالسن وزواج سيادةوسوسن وانشغال الرعاة بالهندسة والطب والتدريس، اضطرتا إلى فصل أنفسهن عن هذا الجزء الحيوي منحياتهم، إذ أغلقت الصيرة وبِيع الماعز وأوقفت التجارة،وأصبحت أم باسل وهيلانه تجلبان الحليب الجاهز لعملبعض الاحتياجات المنزلية فقط، لكن مشايخ تظل رمزًاللترابط الفني والعلاقات القوية التي تتخطى حدود الزمنوالمكان في جبال سراس.

وكما قال أبو البقاء الرندي “وهذه الدار لا تبقي على أحد ولايدوم على حال لها شأن”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى