مقالات

بين الفقر والقصر (زهراب ماركريان)

التاج الإخباري – بقلم: الصحفية هدى الزعاترة

بين الفقر والقصر، عاش زهراب ماركريان حياتَين مختلفتين وولد مرتين . 

طفولته :
ولد مرتين ففي المرة الأولى ولد زهراب عام 1948 في حي بسيط نشأ وترعرع في سيل عمان ثم انتقل الى جبل عمان ثم الى الأشرفية، والده لاجئ أرميني أتى من تركيا الى الأردن وتزوج فيها، اما عن ولادته في المرة الثانية فقد ولد في العام 1974 حيث أصبح مصوراً للملك، اما عنه فقد كان لاجئاً في قلب المغفور له الحسين بن طلال رحمه الله فقد أمضى زهراب 22 عاماً برفقة ملك السلام ملك ترك الأثر في العالم أجمع من خلال حُنكته ورؤيته السياسية والاقتصادية والأهم من هذا وذاك انسانيته فهو صاحب مقولة الأنسان أغلى ما نملك ملك الوفاء وصاحب القلب الكبير، الملك الباني والملك الحكيم ورجل العائلة المحب، ملك نزل على ركبتيه لربط حذاء يتيم، وترجل من سيارته لتعبئة البنزين، كان يشعر بالصغير قبل الكبير وكان يذهب من اجتماعاته مع رؤساء القمم الى بيوت الشعر ليحتسي القهوة بصحبة مواطنين فقراء لا حول لهم ولا قوة سوى كرم توارثوه عن آباءهم واجدادهم، حتى الحيوانات كان لها من عطفه نصيب فقد كان يحب القطط وكان لديه قطة من شدة حزنها عليه لم تعد تطيق دخول غرفته بعد وفاته حتى ماتت بعده بشهرين .

نالت القصاوة منه منالها طفولة قاسية أجبر على عيشها أضفت على شخصيته صلابة باتت جلية في نجاحه، بعمر لا يتجاوز الحادي عشر توفي والده، رفضت أمه الزواج فربته وإخوته حتى كبر، أجبرته الظروف على ترك المدرسة، ولد مع الشركس لكنه كان يذهب مع الأطفال في الحي لتعلم القران واللغة العربية، لديه أربعة لغات فقد تعلم التركية في المنزل واللغة العربية مع اقرانه في الحي، واللغة الإنجليزية تعلمها حين أرسله جلالة الملك الى معهد "جيرمن سكول" في نيويورك ليصبح مصوره الشخصي، اما عن معنى اسمه ففي الأرميني زهراب يعني الأسد ولأن لكل منا له من اسمه نصيب فقد كان زهراب الأسد بين اقرانه فقد عرف عنه أنه أبو المشاكل.
نما حب الحسين في روح زهراب رأى في الحسين ملكاً وأب وأخ وأستاذ وصديق، تعلم منه التسامح والتواضع والمحبة والثقة بالنفس والرضى، تعلم القوة وجوهر الحياة، تعلم الكثير الكثير فكان المصدر الذي وثق مسيرة ملك قاد وطننا بإيمانه أن الإنسان أغلى ما نملك لا يهم دينه ولا لونه ولا أصله المهم أنه إنسان، ملك بنى الوطن بكل الحب قبل أن يبنيه بطوب العمل والبناء، وإن كانت الصور العادية بألف قصة فزهراب قدم إرث الحسين في صور كل صورة تحمل ألف ألف قصة أهداها بأغلفة مميزة بطريقة غير مألوفة، مُستعيداً ذكريات زمن حافل بالانجازات والعطاء وشاهدة على أحداث صعبة ما زالت عالقة في أذهان الأردنيين وفي قلب زهراب، فالأردني كما قال أبا الحسين :"هو الذي يقدم ثروته الحقيقية من عطاء وتضحية وإنجاز وليس بمقدار ما يملك من مال وجاه" .


شبابه :
بدأ يعمل بالخياطة ثم تحدى الصعاب ولجأ الى الموسيقى لنسيان همومه فكان يعزف على "الروك، والكلاسيك روك"، كان احد أعضاء أول فرقة غربية في عمان تسمى "belivers " أي المؤمنون ولأن زهراب آمن بحلمه استطاع أن يصله؛ فقد كان حلمه أن يصل الى جلالة الملك المغفور له الحسين بن طلال فقرر التخلي عن الموسيقى وامتهان التصوير آملاً منه بأن يكون يوماً ما المصور الخاص للحسين رحمه الله، كان أخاه الأكبر مصور فكان يعمل معه في ستوديو صغير، ثم عمل في عمان مساعداً في ستوديو "هايك"، ثم امتلك كاميرا روسية وهو في عمر ال 15 فأصبح يمارس هوايته في تصوير الأماكن والمناظر الطبيعية المدهشة، وثق فيها تاريخ الأردن بأجمل الصور .
في الستينيات عرض جميع صوره في معرض تحت رعاية الملكة علياء فكان أول معرض لمصور أردني في فندق الأردن في عمان ونال الجائزة الأولى لتكون عبارة عن كاميرا متطورة .
عمل في البداية مصوراً للأمير الحسن وعائلته وفي يوم من الأيام صور الحسين خُلسة فحازت الصورة على إعجاب الحسين وطبع منها 500 نسخة ليوزعها على اصدقاءه وضيوفه .
السوسنة السوداء حازت على إعجاب الملكة علياء بعد أن أغلقت في وجهه كل الأبواب فُتحت له أبواب قصر الحسين لينتقل زهراب من سيل عمان الى قصر الملك وقلبه، تجسد حًلمه واقع بأن يصبح المصور الخاص للعائلة الهاشمية عندما حصد المركز الأول في مسابقة لتصوير الزهور البرية في الأردن، تحولت حياة زهراب منذ تلك اللحظة الى مسيرة حافلة وثق من خلال صوره فيها أجمل وأعظم اللحظات أرخ فيها مسيرة زعيم عربي عظيم، تحدا الصعاب واستطاع بعين واحدة وعدسة كاميرته والتي كانت عينه الثانية أن يشق دربه .


بعد وفاة الحسين :
فبراير 1999 كان يوماً مشؤوماً لم يخيل "لماركريان" الوقوف خلف تابوت الحسين ليصور حدثاً لم يتمنى تصويره، جنازة احتضنت جميع رؤساء العالم، جنازة بكى فيها الصغير قبل الكبير بكاه العالم وحتى السماء بكته.
تغادر أجساد الملوك لكنها تبقى حية في قلوب من عاشروها فبقي زهراب خلف الحسين لتظل ذكراه حية في كل جلسة، فمن لم يلتقي الملك الراحل ويمضي وقتاً ولو بالقصير مع زهراب سيتلمسه ويشعر انه في حضرته من خلال تأثر زهراب الجم به، وعشرات القصص التي رواها ولمعة عيناه عند تذكرها.


حُلمه :
يأمل زهراب في آخر مشاريعه أن يحول كتاب مملكة السلام الى فلم ليصور للعالم قصة ملك الإنسانية وليرى العالم بأجمعه عربي وغربي من هو الحسين وليوثق حياة الملك الراحل وليعلم العالم كيف يكون السلام ليضل الحسين حي بيننا بذكرياته وإنسانيته وحبه للأردن .


كُتبه :
في أرشيف زهراب عشرات من الكتب المصورة التي توثق حياة الملك الحسين والعائلة الأردنية المالكة والتي نالت الإعجاب والإشادة من جلالته شخصياً مما شجعه على مواصلة إصدار عدة حلقات من سلسلة الكتب الخاصة بالأردن وطناً عزيزاً وبملوكه رموزاً للوفاء والإنسانية، فكان أول كتاب عمل على انتاجه كتاب "الملك والوطن" عام 1985 الذي أهداه للملك الحسين بمناسبة عيد ميلاده الخمسين .


الأستوديو :
وسط زحمة دوار عبدون غرب العاصمة الأردنية عمان يقبع ستوديو زهراب الذي نجد فيه صور الملك الحسين تعتلي جميع جدران الإستوديو، لقطات تصور الملك الحكيم ورجل العائلة المحب والصديق المتواضع، عدسته الملكية لها باع طويل في التصوير قضى أكثر من عقدين من الزمن كمصور شخصي للملك الحسين وعائلته الهاشمية، وثقت مسيرة ملِك مَلك القلوب، كان زهراب هو النافذة التي نرى منها ملك الإنسانية ملك السلام أن نراه بعيداً عن السياسة مرآة السياسة، وثق الكثير من الذكريات والمغامرات، في جُعبة زهراب أرشيف من اللقطات التي اختلستها عدسته التي لم تترك جنب الملك الراحل في يومياته وزياراته ولحظات وتفاصيل لن تنسى حُفرت في قلبه وذكرياته، عاشر الحسين بحياته الخاصة اليومية العفوية وزياراته الرسمية واسفاره .
يقال إن الدموع تجف على موت من أحببناهم لكن زهراب ما زال يبكي فراق الحسين فمنذ وفاته اعتاد زهراب على ان يكون جزء مخصص من يومه في النظر الى صور الحسين وإسترجاع كل الذكريات وان يبكيه ثم يخلد لنومه متمنياً لقاءه مرة أخرى .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى