مقالات

عامٌ على فراق المعلم الأول.. الجدُّ الأعظم!

التاج الإخباري – عدي صافي 

٢٥/٨/٢٠٢١، يومُ الفراق الأخير، مضى عامٌ على ذرف الدمعات، وعامٌ على غيابكَ والبَسمات، وعامٌ سيظلُّ طويلاً وانّ صارَ عشرات السنوات!

في فُراق العمل، السفر، هنالكَ بُكاء، وهنالكَ أملٌ بلقاءٍ في دروب الحياة، اما فراق الموت، فلا سبيلَ للّقاء إلا من خلالِ طيفٍ من خيال.

لم نَكُنّ قَدّ تهيأنا، أوَيتهيأ المرءُ لتحدي فراق الموت؟ لا والله ولو أمضى أعواماً يتعلّم، هذا الفراق لا مكياجَ يجمّله، ولا سعادةٌ تَقتله، هو باقٍ كبقاءِ الزمان، يظلُّ غصةً تجرحُ الوجدان…

عامٌ على ذهابكَ يا معلمي الأول، يا جَدّي الأعظم، مذ رَحلت، قُلتَ ذات مرّة أنَّ الفُرسَ حضارة، فوافقتك، أخبرتني أنَّ الإيطاليونَ فلاحون، مثلُنا، فأضحكتني، رافقتني أناء الليل وارشدتني أطراف الصباح، أخبرتني عن فلسطين، تاريخها، أرضُها، زرعها، ماؤها وتلالها الراسخة، حدثتني عن حروبها، ثوارها، شهدائها الأبرار، وكيفَ صعدوا إلى علّيين، أرجو أن تجاورهم… 

من غرائبِ الحياةِ الفانّيةِ أنَّنا نكونُ صغاراً فلا نُدركُ قيمةَ الأجداد، فتلهينا لعبةُ الغُميّضة عن مجالستِهم الثريّة، ثمَّ نكبُر فتُغرِي بعضَنَا النجاحات وبعضنا الفشل، كُلٌّ يتّبعُ أمراً ما، ونَنسى وجودَ الأجداد فلا نقَبّلّ قلوبَهم ولا نُمسكُ أياديهم، ثمَّ يموتُ الأجداد فنبكي لأننا لم نُفطم بعدُ عنّ حُبّهم!

حينَ فراقكَ كتبت:" كل واحد عرفني شهدلي بثقافتي وعلمي وخُلقي، بس ما حدا منهم بعرف انه انت كان الك فضل كبير بجزئية واسعة من العلوم الي بمتلكها، ما بعرفوا انك حكيتلي كثير معلومات وبكل جلسة النا، ما بعرفوا انه لما كنا نقعد انا وياك نحكي الجميع كان ينزعج من كلامنا بالسياسة والتاريخ…

كثير ناس حكولي انت زي سيدك عشان بحب الثقافة، وكمان ما كانوا يعرفوا انه من جوا بس الكلمة تنحكالي بكون فخور ومبسوط…

قبل اكم سنة لما كنا نبيع حلال قبل عيد الأضحى، كنت كل يوم بالليل تيجي وتسهر معي ونقعد نحكي للفجر، مرة حكينا عن تركيا ومرة عن العراق ومرات عن فلسطين والعودة والحروب والكفاح وووو

كنت تحبني كثير وعمرك ما زعلتني او ذميتني، بالعكس كنت كل ما تشوفني تضحك من قلبك، صح ما كنت ابوس ايدك كثير بس بكل مرة كنت اقبل قلبك، قلبك الحنون وروحك العذبة، يمكن محبتك الي هي سبب انه كل الناس بتحبني وما حدا بكرهني! يمكن…

حتى سيارتك المرسيدس الزرقا، الكل حكالك بيعها بس انت اصريت تحتفظ فيها حتى وهي خربانة؛ لأنك عتيق مثلها وكل عتيق خالد لا يموت وانت راح يضل طيفك معي!

اكم مرة وصلتني فيها لمركز الانجليزي بالتوجيهي لما كنا ساكنين بعين الباشا؟ كثير وصح كانت سواقتك بتخوف بس وجودك كان مطمئن الي، وكلمتك "استمر استمر" راح تضل معي للنهاية.. وكتابي الي ما حتشوفه او تقرأه، كلماته راح تلامس طيفك وتتغنى بها". 

حينها:" كنت حاب احكيلك اني لقيت الانسانة الي بتناسبني وحبيتها وكل يوم بحارب عشانها وبسابق الزمن لاجل اميرتي واني راح اضل وفي وثابت بحبي مثل ما علمتني من حبك لفلسطين، كنت حاب احكي واحكي ووو، والوقت وجهلي رمح قاسي كثير سمه بحوي كلمات وهي : لا تجافي الي بتحبه ولا تبتعد عنه ولا تقدم الشغل عنه ولا تتكبر على حبيبك؛ لانه بس اخذه منك راح تندم!"

سأخبركَ أنني اليوم قد عرفتُ تاريخَ الفرس، وفهمت الميثولوجيا الإغريقية وشقيقتها الرومانية، وحفظتُ عباراتِ دانتي العظيم، واستلهمت الشغفَ والطموح من ليوناردو دافنشي.. اني أؤكد لك أنني أعرف مقدمة ابن خلدون، ولم أترك كتاباً لنجيب محفوظ، حتى أنني كتبتُ قصصاً على طريقةِ غابريل غارسيا فأحبّها الناس، يا جدي أتذكر "دالي"، انني اليوم أخلقُ السرياليةَ في أدبي وأرطقُ جراحي حيناً بعدَ حين فغدوت أكثرَ غرابةً منه، ولا تخف لم انسى التاريخ، فروما والإنكا والمايا والفراعنة والإغريق، والأشوريين، والعثمانيين والهنود، ادركتهم وكتبتُ عنهم علماً عظيم، ولم أغفل عن بابل فصاغ قلمي قصةً بعنوان "في بلاد الرافدين عرفت تاريخ الأرض.. وقرأت صحيفة الملك" واهديتها لطيفكَ القريب… 

أدينُ بعلمي للكثيرين، أساتذة ودكاترة وقُرّاءٌ وكُتّابٌ وحتى صحفيين، ولكنّهم جميعاً، صَقلوا أمراً لَدَى عَديّ، إلا أنَّ جَدّي ورجلاً آخراً يشبهه عُمراً وشكلاً وَعِلماً خَلَقوا أمراً ونفخوهُ بعَديّ، فصَارَ فضلُهم كروحٍ لا تفارقُني وتؤنُسني!

في موعِدنا الأخير، قالَ جَدّي:"أنا متابعك، إستمر، ومين هي حبيبتك؟"، لمّ أُجبّ ووعَدتهُ أنّ أُخبرَهُ إجابتي في لقاءٍ قريب.. وبعدَ ذلكَ بشهرٍ ونصف، كانَ اللقاءُ على حافةِ قبرٍ من تُرابّ، وتحتَ شمسٍ لهيبُها من سَقَم، حينها ذُرِفَت عليهِ الدموع، بكى الأحبّاء والأقرِباء، وحتى الغُرَباء، أمّا أنا لم أذرف دَمعة، فلعنتُ الجَفاء ونبذتُ كُلَّ من يجافي عزيزاً، ثمَّ صمتّ؛ فقدّ علّمني ألّا أبكي أمامَ البَشر.. هم ذرفوا الدموع وغادروا، أمّا أنا فقد بُتِرَ قلبي من الدّاخل.. بعدها ثَلُّمَ جانبٌ من عَديّ الذي تعرفون!

ادركوا أنه يموتُ ببطء ﻣﻦ ﻻ ﻳﺴﺎﻓﺮ .. ﻣﻦ ﻻ ﻳﻘﺮﺃ .. ﻣﻦ ﻻ ﻳﺴﻤﻊ ﺍﻟﻤﻮﺳﻴﻘﻰ .. ﻣﻦ ﻻ ﻳﺠﻴﺪ ﺍﻻﻫﺘﺪﺍﺀ ﺑﻌﻴﻨﻴﻪ ..

ﻣﻦ ﻳﺘﺠﻨّﺐ ﺍﻟﻬﻮﻯ .. ومن لا يملكُ جدّاً عظيم. 

رحمكَ الله.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى